الأحد، 28 يوليو 2013

خيمة البرقية الرمضانية "اليوم20







مصطفـى العمراني_"مدير مكتب البرقية التونسية"
و الموعد الجديد العالمية _المغرب

يقول:
“حينما نفتح باب المنزل صباحاً، لا يكون جدار الجيران بعيداً عنا أكثر من متر أو أقل. على ذلك الجدار تكتب بالعادة عبارات غير مناسبة جنباً إلى جنب مع التمديدات الصحية والكهربائية وأسلاك البريد، التي تكون مركبة على عجل وبفوضى بالغة. من تلك العبارات المكتوبة”ممنوع رمي الزبالة يا إبن الحرا...“”لا تبـ.... يا فهمان“... إلى جانب عبارات أخرى يقال إنها غريبة عن تلك السابقة من مثل”الأرض مسألة كرامة لا بد أن تستعاد من دون أن ينقص منها شبر واحد“”بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداني....“هكذا تكون صيغة العبارات التي نفتتح بها صباحاتنا...”.
ثم يضيف:
"النساء في حارتنا لا يلبسن التنانير القصيرة، ليس لأنهن محافظات، فاللبس القصير كان دارجاً في الأيام الغابرة. هن لا يلبسن مثل تلك الألبسة القصيرة بسبب طبيعة الشارع في حينا، ففي شهور عدة من العام، تكون شهور الصيف من بينها مرات كثيرة، يكون الشارع مليئاً بالبقع المائية الطويلة، لذا تحتاج لقفز صعب لعبورها. كما أن نساء الحي ورجاله نادراً ما يلبسون الأسود أو الأبيض، بالرغم من جمال اللونين، لكنهما لا يناسباننا البتة، ففي بعض الشوارع لا يتسع عرض المكان لأكثر من شخص واحد، مما يجبر الآخر على إسناد ظهره للحائط ليستطيع المقابل له المرور، فإن كانت الثياب بيضاء أو سوداء فإن الأوساخ والدهانات الموجودة على الحائط المسنود تلصق على ثيابه مباشرة....
أبواب المنازل في الشارع تكون صدئة بأغلبها، ووراء الباب هناك في الأغلب قماشة مهترئة لتستر ما في داخل المنزل. الأبواب تكون أقصر من أغلب شباب الحي، فسقوف المنازل في حينا واطئة في الغالب، ذاك أن السقوف العالية تستهلك كميات كبيرة من الأسمنت والحديد بالعادة، وهذا ليس بمستطاع أغلبنا. تكون أبواب المنازل في الغالب الأعم مطلية بأكثر من لون، فبعض لونه مما دهن بها آخر مرة، وباقي اللون هو من بقايا الألوان السابقة، إذ لم يغطّ الدهان الحديث كل مساحة الباب. أبواب المنازل في حينا تكون مفتوحة طوال ساعات النهار، فربما تخطئ نسمة باردة أيام الصيف وتدخل من الباب إلى داخل المنزل، فالباب هو البرزخ الوحيد بين المنزل والعالم خارجه. أو قد تفعل الشمس كذلك أيام الشتاء، فغير مساحة الباب يكون البيت في حينا محاطاً ببيوت أناس آخرين، نسميهم مجازاً بالجيران.... على أبواب كثيرة قد تجد عبارة “هذا من فضل ربي” أو “عين الحسود فيها عود”!!
يشرب إبن الحي العشوائي بعضاً من فنجان شايه ثم يتابع:
"إلا أن أكثر قطعة لا تقوم بواجبها بتاتاً هي الشبابيك، فكل بيت له شباك واحد وحيد، لأن قلة نادرة من البيوت يكون لها أكثر من غرفة مطلة على الشارع. وتلك الغرفة المطلة نادراً ما تكون غير المطبخ، فالمطبخ يملك أولوية مطلقة في الظفر بتلك الحجرة، لكونه يصدر روائح وأدخنة شتى، الشيء الذي سيصيب ساكني البيت بالدوار ما لم يكن المطبخ مطلاً على الشارع، مصدّراً منتجاته إليه، وليصاب المارون بالدوار عوضاً عن الساكنين. أكثر من يخسر في وضع المطبخ هن الفتيات، فالشباك هو إبداع أنثوي في تاريخ البشرية. فحينما كان الباب تاريخياً يعني الخروج بالروح والفكر مرفقاً بالجسد، هذا الأخير الذي حظر على الأنثى ممارسته، اخترع فكرها الشباك، الذي سمح للروح والفكر بالتنزه حيثما يشاءان، شرط أن يبقى الجسد في مكانه. النساء في حينا بغياب الشباك أصبحن أسيرات الجسد والنظر، وهنّ يذكرن النبيه بمحبسي أبي العلاء....
غير الشباك والباب ثمة السطح كمكان للإطلالة، فهو مكان مباشر للالتقاء مع السماء. السطوح تكون صغيرة في العادة، مساحتها تراوح بين الـ60 و75 متراً مربعاً، متناسبة مع مساحة البيوت التي يتشكل منها حينا. يحذف من تلك المساحة ما يقارب الخمس الذي يغطى بيت الدرج، أما أربعة الأخماس الباقية فإنها يجب أن تكفي لأشياء كثيرة، منها أجهزة اللاقط الفضائي أو التلفزيون الأرضي لثلاثة أو أربعة من الجيران، وحبل غسيل لنفس العدد من البيوت، وبيت صغير لتربية بعض الدجاج البلدي، وثلاثة بيوت صغيرة لمونة الشتاء، وثلاثة خزانات للمياه، وثلاثة للمازوت، وبعض الكراكيب القديمة.... إلخ، ومع ذلك يبقى متسع بالغ الصغر ليخرج مراهقون كثر وقت الظهيرة ليروا هل أياً من بنات الجيران قد غابت عن عين أهلها وخرجت إلى السطح لتبحث عما لا تعرف ما هو بالضبط، وقت القيظ الجوي والعاطفي....".
ثم يقول أيضاً:
"ليس في حينا أي حديقة أو ساحة عامة لتعويض ذلك النقص البالغ في مساحة الشارع، وما يزيد من وطأة ذلك العوز في التنفس، هو ما يشابهه في داخل البيوت من ضيق...
الغرفة الرئيسة عادة ما تكون مقسمة المهام حسب الفترة الزمنية من اليوم. ففي الصباح والظهيرة تكون مكاناً للفطور والغداء، أما عصراً وليلاً فتكون مكاناً لتجمع العائلة ومشاهدة التلفزيون. وحين يحضر الضيوف تتحول إلى غرفة لاستضافتهم، وحينما يضع الليل أوزاره تتحول إلى غرفة منامة للأولاد الذكور. ثمة غرفة شبيهة لتلك أقرب للحالة النسائية، تكون غالباً مكدسة بصناديق الثياب الشتوية والصيفية لكل أفراد العائلة. عائلات قليلة تملك غرفة ثالثة خاصة بالأبوين. الغرف الثلاث يطل باب إحداها على الأخرى، لذا لا تنطبق عليها بالكامل صفة الخصوصية التي لا بد أن تميز كل غرفة، حسبما راهن العقل البشري حينما اخترع شيئاً أسماه “غرفة”... على أن وضع الغرفة مع ذلك يبقى محافظاً على بعض خصوصياته أكثر من الأجزاء الأخرى من المنزل. فالمطبخ يضيع بين شخصيته كمكان أعد لتجهيز الأطعمة، وبين ما يمارس به من أعمال نسائية أخرى. فجل المطابخ فيها ماكينات للخياطة أو عدد من أكياس الخضار التي تحضره النسوة بالأجر لتجار “أسواق التنابل” أو قد تجد عدداً من الفساتين الناقصة التجهيز تعمل النساء على تطريزها مقابل أجر للمعامل، أو قد تجد مسند مكواة لتعمل النساء على كيّ الثياب لصالح بعض المحلات الأكبر. فرجال حينا لا يمانعون من عمل النسوة طالما أنهن داخل بيوتهن... وهذا الذي يسميه مفتي حينا “الحج” صابر الذي تاب في السجن بعد قضية إتجار بالمخدرات يسميه “الاستفادة من الأشياء الحديثة مع الحفاظ على هويتنا الثقافية!!”.
يرفع كأس الشاي دون أن يلاحظ أن ما فيه من شاي قد انتهى ويقول:
“منذ عامين كنت أعمل حمالاً، وفي أحد الصباحات أخذنا أحدهم لحمل بعض اللوحات من أحد المراكز الثقافية. كانت صاحبة اللوحات فنانة بالغة الجمال. وقتها لو لم أكن موجوداً لكانت صعقت بتيار كهربائي، غير أني أسرعت لفصل التيار الكهربائي، وكرّد منها لمعروفي أهدتني لوحة جميلة من لوحاتها..... منذ عامين وأنا لا أجد مكاناً في جدران بيتنا لأعلق تلك اللوحة..”.
يمضي ليقص مثل حكايته تلك لأناس آخرين. أمضي ماسحاً ما يتصبب من جبيني من عرق، ولا أردد إلا عبارة ماو تسي تونغ الشهيرة: “ليس من داهية يعقد قران مهادنة بين جائع وشبعان”.
لا مكان في جدارنا لأعلّق اللوحة - رستم محمود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق