‏إظهار الرسائل ذات التسميات منبر الحوار بالموعد الجديد العالمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منبر الحوار بالموعد الجديد العالمية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 27 يوليو 2015

وضاع آخاذة

أ
وكالة أنباء البرقية التونسية الدولية وجريدة الموعد الجديد العالمية


وضاع آخاذة
بقلم فرحات جنيدى

بدأ الليل يترنح ونسمات الصباح تنصب عليه فينهار في بطء وهو ما زال مستلقيًا على الأرض فى ساحة مقام جده يرتشف آخر قطرات الخمر وسط ضحكات أصدقائه الغارقين معه فى وهم الخيال الذى رسمه الخمر فى عقولهم فأغرقهم جميعًا . يتسلل الواحد منهم تلو الآخر حتى خلت ساحة المقام عليه ولم يتبق معه غير بقايا خيوط الليل التى تنصهر من بزوغ نور الصباح يحاول أن ينفض عن نفسه تراب الوهم لكنه يفشل , يعلو صوت التكبير لصلاة العيد فيشعر بالحزن والندم وتنهمر الدموع من عينيه فيقبض بيده على القليل من تراب الساحة ويحاول أن يتيمم به لكنه يفشل , يرفع عيناه نحو السماء فيجدها أمامه تمد يدها وتمسح دموعه وتنفض التراب عن ثوبه وتمسك بيده وتساعده على النهوض وهى تهمس فى أذنه الخمر لا يقدم شئ غير الوهم يا ابن أمى والإنسان يلجأ للخمر ليهرب من الواقع ويكذب على نفسه فيهدم الإنسان الذى داخله فيصبح شخصًا آخر وها أنت الآن كذلك فهيا امض معى حتى تنجو أنت من الوهم وأنجو أنا من الواقع . يخطو معها وهو يعلم أنه ذاهب إلى طريق مظلم ومع كل خطوة يحاول أن يوقظ عقله لكنها تقرأ عينيه فتهمس له فى أذنه دعك من تلك الأفكار السوداء ولا تسمح لأحد أن يعبث بعقلك وافرد ذراعيك وضمني فمنذ رحيل أبى وأنا أفتقد الحنان . تراجع خطوات ونظر إليها فى خوف وقلق شديد وقال بحزن : ولكن يا بنت أبى وأمى اختار القدر أن يكون بيننا خط فاصل من الصعب أن أمحوه فلا يمحو الدم غير الدم . جذبته من ذراعه فتحرك خطوة فارتمت فى حضنه وانهمرت فى البكاء وقالت : اليوم عيد فهيا كبر معى فأنا مللت الحزن . رق قلبه فدمعت عيناه وقبلها بين عينيها وقال : القدر بيننا يا أختى كالسيف إن واجهناه قطعنا فدعينا نحتكم للأيام ربما يكون القادم أفضل . ابتسمت بشئ من الخبث وقالت : سيكون القادم أفضل فاللحظات العصيبة لم تأت لتبقى بل جاءت لتعبر . من بين إخوتها السبع اختارته ليكون كبش الفداء لدم زوجها الذى قتله أخوها الأكبر فهو المحبوب بين أهل القرية وأكثرهم مكانة خارجها بما يتمتع به من قدرة على العمل والحركة وتقديم التهنئة والتعازي في كل مكان , وكان من رواد المساجد وحلقات الذكر وكان أهل القرية يرون فيه جده الشيخ الكبير الذى يزين مقامه مدخل القرية ويقام له مولد في النصف من شعبان كل عام وبجانب أخلاقه تلك كان أقوى إخوته وأكثرهم حزمًا في المواقف الصعبة لكنه كان أضعفهم قلبًا فهو الذى لم يقاطعها بعدما اختارت أولادها وأهل زوجها عن أهلها وإخوتها , وكان دائمًا ما ينظر إليها نظرة عطف وحنان بل أحيانًا يشعر بأنها العوض عن أمه وكلما حذره إخوته أو أقاربه كان يقول أعلم وأحاول أن أكون دائمًا حذرًا لكن القلب الذي فطر على الحب لا يكره أبدًا وها أنا أبسط قلبي وامشى فى نوره . كانت دائمًا تتربص من أجل أن تلقاه وتحاول استمالته وكان قلبه المحب يستسلم لكلماتها ودموعها الحزينة لكن بمجرد أن تقترب منه يضئ قلبه طريقه ويكشف ظلام قلبها فيراها أمامه كشيخ أعور كسيح وعيناه مشقوقتان بالطول ورأسه كرأس الفيل الكبير وأنيابه خارجة كأنياب الخنزير وشفتاه كشفتي الثور . كان يرى الشيطان الذى تخفيه خلف ابتساماتها الخبيثة ودموعها القذرة . أدخلته البيت ونادت على أولادها وشقت الثوب الأسود من فوق جسدها وقالت : تعالوا يا أولاد فمن اليوم لا حزن كبروا فاليوم العيد يعود لنا بعد غياب . التفوا حوله وكل منهم يمسك سكينًا فى يده , انتفض من مكانه فهرب وهم الخمر من رأسه وانتبه للواقعة وايقن خاتمته وقال بحزن شديد : أى عقل وقلب ودين يقبل أن تأتِ بابن أبيك وأمك ليثأر منه الغرباء . هل الكراهية تعمي عن الحقيقة وتلغى العقل هكذا ؟ ضحكت بصوت مرتفع وقالت : الكراهية كالخمر تجعلك تعيش فى عالم بعيد عن الواقع وهكذا استطعت أن اآتِ بك إلى هنا بعد أن أخرجتك إلى الواقع وجعلت الخمر يأخذك إلى عالم غير العالم وهكذا أيضًا فعلت بى الكراهية أخذتنى إلى عالم أعيش فيه على أمل أن يأتى اليوم الذى يرفع فيه أولادى رأسهم بعد أن نكسها أخاك بقتل أبيهم . قال وهو يعصره ألم الحزن : لقد اسود قلبك بالكراهية حتى وصل بك الأمر إلى أن تقدمى أخاك كبش فداء لذنب لم يفعله . عاودت الضحك حتى غرغرت عيناها بالدموع ونزعت معصم رأسها وأمسكت بشعرها وقالت : منذ أعوام بعيدة عندما كنت بنت العاشرة عندما كان كل ما يسعدنى فى الدنيا هو أن أرى خصلات شعرى تلك التى كساها الشيب تكبر أمام عينى ولم أكن أهتم بليالٍ مضت علينا ونحن نصارع البرد أو الجوع لم تدمع عيناى عندما كان ينادى لصلاة العيد مثل الآن والأطفال تمرح فى الطرقات وأنا أمسك بخصلات شعرى وأغزلها حتى أنسى ثوبى الممزق كنت صبورة كما ترى لكن جدك امتلكت قلبه الكراهية والحقد على كل الناس ولم يجد طريق يخلصه من الفقر والكراهية غير أن أطلق لحيته وعاش بين الناس درويش يستغل همومهم وجهلهم من أجل أن يكسب المال ليأكل أفخر الطعام ويرتدى أفضل الثياب ويمضى بين الناس فارد قامته يكرم أينما وجد ولم يتوقف فساقته رغبته أن يكون عزيزًا بين الناس أن يسرق أموال النذور من بيوت الأولياء حتى مات فأكمل أبوك الطريق من بعده وادعى أن جدك ولى من أولياء الله الصالحين حتى يستمر باقى عمره كعزيز بين الناس . أنا تعلمت منه فإن اخترت أهلى بعد مقتل زوجى سأكون خاسرة منكسرة فمهما مضت الأيام سيثأر أولادى لأبيهم ويصبح كل منهم أخذ حقه وأعيش أنا بقية عمرى خاسرة زوجى بالماضى وأولادى بالحاضر ويرافقنى ثوب أسود وحزن دائم حتى أدخل قبرى لكن ما تعلمته من أبيك وجدك هو الذى جعلنى أختار أولادى وأن أسعى معهم لأخذ الثأر حتى لا نعيش فى العار والحزن للأبد وأن أضحى بأخ أفضل من أن أضحى بأولادى فلذات كبدي ودم زوجى الذى احتوانى . إذا فلا سبيل أمامنا غير موتك فموتك نحيا بعدما عشنا سنوات موتى بلا قبور .

مصر لا تكرم رموزها

وكالة أنباء البرقية التونسية الدولية وجريدة الموعد الجديد العالمية
عبدالرحيم حشمت عسيري المحامي

مصر لا تكرم رموزها بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري . المحامي

عاش الفنان العالمي عمر الشريف منذ نعومة أظافره إلى أن رحل إلى جوار خالقه ، حياة مترفة صاخبة ، حياة حافلة بالنجاح والشهرة والأضواء .. وكان يتمتع بحضور طاغي وكاريزما قوية ، وكان يتميز بوسامة وجاذبية خاصة ، وكانت لديه موهبة فنية فذة جعلته يبدأ حياته الفنية منذ مطلع شبابه في خمسينات القرن الماضي بأدوار البطولة المطلقة ، فتربع على عرش السينما المصرية ، وأصبح فتى شاشتها الأول ، وما لبث حتى قاده طموحه إلى العالمية ، وأصبح نجما ساطعا يحلق في سماء هوليود عاصمة السينما العالمية ، واحتكر الأدوار الأولى على مدى عشرات السنين قضاها كنجم مصري من طراز فريد ، وفنان عالمي لا يشق له غبار ، واحتل مقدمة الصفوف عن جدارة واقتدار ، فأمتع الجمهور ، وأبهر كبار النقاد والمخرجين ، وكرمه العالم كله من أقصاه إلى أقصاه ، وحصد العديد من الجوائز العالمية في كل مكان . لم ينقطع الفنان عمر الشريف وهو في قمة مجده ونجوميته عن مصر التي كانت تأخذ حيزا كبيرا من اهتمامه .. فقد كان رحمه الله مهموما دائما بقضايا بلاده الوطنية ، و متابعا جيدا لأخبارها السياسية ، كما كان يقدم في سبيلها كل ما يستطيعه بحب وهمة وإخلاص ووطنية .. إلى أن بدأت تنحسر عنه الأضواء الفنية شيئا فشيئا بحكم تقدمه في السن ومن ثم قيامه بأداء الأدوار الثانية خلال السنوات القليلة الماضية فعاد الفنان العالمي إلى أم الدنيا في تسعينات القرن الماضي .. عاد عمر الشريف إلى تراب أرض الوطن ليعيش وسط أبناء هذا الشعب الطيب الأصيل الذي – كما كان يقول الفنان الراحل الكبير – لم يرى مثيلا له في الشهامة والبساطة والكرم بين شعوب بلاد العالم كله الذي طافه من مشرقه إلى مغربه .. وليس أدل على حبه واعتزازه ببلاده من رفضه القاطع لجميع الجنسيات التي عرضت عليه تباعا ابتداء من الجنسية الأمريكية وانتهاء بجنسية آخر دولة أوروبية . الكثيرون منا لا يعرفون أن الفنان عمر الشريف كمواطن مصري أصيل .. قدم لهذا الوطن – الذي لم يكرمه حيا أو ميتا – خدمات جليلة في ظروف استثنائية بالغة الخطورة .. منها تكليفه من قبل الرئيس الراحل أنور السادات شخصيا بتوصيل رسالة " جس نبض " للإسرائيليين عن طريق وسطاء دوليين قبل زيارة السادات التاريخية لإسرائيل ، ثم وهذا هو الأهم كان للنجم عمر الشريف رحمه الله موقفا وطنيا مشرفا من ثورة 25 يناير 2011 م المجيدة التي انحاز فيها لإرادة الشعب منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة . وبالرغم مما تقدم فإن جميع مؤسسات الدولة – وعلى رأسها وزارة الثقافة – تجاهلت هذا الهرم الفني العملاق الذي يعتبر بلا أدنى مبالغة من أهم وأعظم الرواد المصريين في هذا العصر ، ويعد واحدا من أشهر رموز القوة الناعمة التي لا تقل أهمية عن القوة الصلبة التي ترتكز عليهما الدولة المصرية ، وتنطلق من خلالهما محلقة في السماء فاردة جناحيها على أرجاء الوطن العربي من الماء إلى الماء ، والمنطقة بأسرها ، بل والعالم كله . قد يقول البعض أن الدولة في حالة حرب لذا فهي مشغولة بما هو أكثر أهمية و أشد خطورة وهو قول مردود عليه بأن تكريمنا للرواد جزءا لا يتجزأ من حربنا على الإرهاب لكن أغلب الظن أن هناك علامة استفهام جعلت مؤسسات الدولة تقابل عطاء هذا الرمز الفني الكبير بالجحود والنكران هذا الفنان العالمي الذي لم يكن في حاجة إلى جاه أو أموال أو منصب أو وسام لكنه كان في أمس الحاجة إلى شيء أبسط من ذلك بكثير ربما كان في حاجة إلى أن توفد رئاسة الجمهورية مندوبا عنها ، أو أن تكلف وزارة الثقافة من يمثلها في زيارة هذا الفنان الكبير وهو طريح الفراش في مستشفى للطب النفسي ، لتخفيف آلامه ، ورفع معنوياته .. كنوع من الاحترام والتقدير والتكريم لمواطن مصري عظيم أفنى عمره كله سفيرا مخلصا لبلده ، ورسولا مشرفا لشعبه في جميع أصقاع الأرض .. بعدما ساءت حالته النفسية ، وقضى أيامه الأخيرة مضربا عن الطعام قبل أن توافيه المنية عن عمر يناهز الثالثة والثمانين بعد صراع مرير مع مرض الزهايمر في مستشفى بهمان للطب النفسي في منطقة حلوان لكن الأدهى والأمر أن مؤسسات الدولة لم تتدارك تقصيرها ، ولم تحاول تصحيح أخطائها .. فلم تودع الفنان الراحل في جنازة تليق بتاريخه الفني الطويل ، وعطائه الوطني الكبير .. حيث ظهرت جنازة الفنان العالمي – كما شاهدناها جميعا – جنازة بسيطة لشخصية عظيمة ، تمت بمشاركة شعبية هزيلة ، وحضور فني مهين ، وغياب رسمي مشين . لكن الجانب المشرق في هذه النهاية الحزينة يكمن في وفاة الراحل في العشرة الأواخر من شهر رمضان التي يعتق الله فيها عباده من النار إنها خاتمة حسنة لإنسان لطالما وصفه المقربون منه بأن كان رجلا طيبا جدا ، ومتواضعا للغاية ، محبا لبني جلدته ، وعاشقا لتراب بلده .. أظنه تكريما ربانيا ، وردا إلهيا على من قصروا معه وتجاهلوه ، ومن شككوا في إسلامه ، وطعنوا في ديانته فهنيئا له برحيله عن دنيا البشر في شهر كريم إلى رب أكرم . وختاما أقول لهذه الحكومة الميمونة التي جاءت إلى السلطة بعد ثورتي 25 يناير و 30 يونيو الشعبيتين الخالدتين : لماذا تعاملين الرموز الوطنية بهذا الجحود والتجاهل والنكران بلا أدنى حياء أو خجل أو اعتبار ؟ !! ، أيتها الحكومة إن لم تكن مصر بلد الرواد والمبدعين والفقراء والمعدمين .. فالشعب يريد أن يعرف مصر بلد " مين " ؟ ، وأنتي لصالح من تعملين ؟ .